الأربعاء، 21 مايو، 2008


كنت أقول ضاحكا أنّ أجهزة الأمن السّياسي هي المسؤولية

عن تدهور مستوى الشعر و القصّ, و أشكال أخرى من الإبداع

الأدبي و الفنّي, ففي السجون-التي كانت تساق أليها النّاس على امتداد

كل العهود-تتوقد عواطف,و تنثال ذكريات, سرعان ما تدفع

كثيرين لكتابة رسائل شوق لتلك الدنيا التي لا تدرك بهجتها الأ حين

تصدّك عنها أبواب الزنازين, و بنادق الحراس و أسوار

السجون...و عادة ما تقود هذه الرسائل أصحابها لنظم الشعر

و قصّ القصص, و أحيانا لنحت التماثيل, و تلوين التّصاوير.

و لأن جيلنا من المشتغلين بالسياسة و الكتاب و الأدباء و الفنّانين

كان يحلم أحلامه كما يحمل صلبانه,فقد التقينا في الزنازين كثيرا,

و تعارف أكثرنا بين جدرانها,خلف هذه الجدران نشأت صداقات

و نبتت مودّات,فليس كالسجن مكان يتكشّف فيه الناس على حقيقتهم

و فيها سمعت من الشعر أعذبه, و قرأت من القصص أجملها,و اكتشفت

ألوانا من الغناء الشجي. و بين جدرانها عانيت من ذلك الفن الذي

شنعت بسببه على أهل البصّ و الحبس, فأضفت إلى قائمة الاتهامات

التاريخية الموجهة إلى البصاصين العاملين في أجهزة الأمن السياسي

تهمة: أفساد مستوى الإبداع.

فلولا أنهم ساقوا الناس إلى ظلام الزنازين أفواجا, ما توقدت عواطف

توهم أصحابها أن ما يكتبونه من كلام ركيك, هو فنّ.

و ذات مرّة, أقمنا احتفالية شنّعنا فيها على هذا الشعر, و ذلك

القصّ, فألقى صديقي المهندس "تيمور الملواني"....قصيدته الشهيرة

التي يقول في مطلعها "أحببتك...تلك المصيبة...في حق البشرية"

و ألفت بالاشتراك مع "عبد الرحمان الأبنودي" و "صبري حافظ"

غزلية مطلعها :

"حبيبتي...

عيناك بلغتان

عيناك

كخرمتي منخار ليلنا العميق

......

و حين سرت تحت سور الداخلية العريض

قررت أن أبيض"

صلاح عيسى

من " بيان مشترك ضد الزمن"