الجمعة، 25 ماي، 2007


ولولت منبّهات سّيارات الركب عند توقّفها أمام مبنى قصر الثقافة. تسارع نسق عزف المجموعة الموسيقية

النحاسيّة الرّابضة على يمين المدخل . كان يقودها قارع طبل نحيف , عمود من العظام , يبدو أنه أقسم بأغلظ الأيمان هو و من معه على ترويع كل الحاضرين , رضّعا و شيوخا. اهتزّت يد "عمود العظام" على الطبل و أحدثت فرقعة دوّت كالمدفع . على الرصيف المقابل واصلت فرقة من الموسيقى الشعبية نعيقها "الليلة عيد, الليلة عيد ". تسارع الأطفال يمنة و شمالا و تحلّقوا حول سيارات رأس الركب. في أقلّ من دقيقة واحدة تحوّل لون السيارات من الأسود اللاّمع إلى ما يشبه الأتربة الرمادية المحيطة بالمكان. نزل من السيارة الثانية آدميّ يكاد ينفجر من كثرة السمنة, صاح في الأطفال, سبّهم, نعتهم بكل أسماء الطير و العناكب و الزواحف. استنجد بأعضاء لجنة التنظيم و لكن دون جدوى تذكر.

لفظت سيّارات الركب كلّ محتوياتها. تقدّم الجمع البهيج نحو مدخل البناية وسط شرائط البلاستيك الملوّن و لافتات تتغنّى بالمستقبل الواعد و تذكّر بالإنجازات الباهرة. "مرحبا بضيف واد العرعار" " مواطنو و مواطنات واد العرعار و إطاراتها مجنّدون لإنجاز المخطط الخماسي حتى لو استوجب ذلك عشرين سنة ".

كان على رأس الوافدين رجل طويل استو كالألف.كان يمضي مهرولا, ممتلئا بأهميته. لم تبق فوق رأسه إلا

بضع شعيرات رصّفها من اليمين إلى الشمال . التهم الرجل "الفزّاعة" المسافة الفاصلة بين السيارة و مدخل قصر الثقافة في لمح البصر مما أجبر مرافقيه على الجري.

في الأثناء كانت الكتلة الآدمية القابلة للانفجار في مباحثات حثيثة مع أطفال الحي لاستمالتهم, عسى أن يلتزمو مقابل حلويات و مشروبات , ألا يفسدوا الاجتماع .

وصل الوفد أمام منصّة قاعة جرباء كانت , في القرن الماضي, بيضاء الحيطان . تزاحم الوافدون بالمرفق .

أحس كل واحد منهم بخطورة الموقف . كان السباق على أشدّه . الكلّ يريد الجلوس بجانب الرجل" الفزّاعة".

عندئذ لوح إصبع في الفضاء محدثا كتلة من الضغط المرتفع . كان رافعه من النوع القابل للتقويس حسب الطلب, صوته من طبقة واحدة, وجه مصفرّ لا يقوى على الضحك و البكاء كسائر الناس, لاحظ الجميع أنه يردّد بصفة آلية كل ما كان يقوله الرجل الطويل.

عيّن "صوت سيّده" مكانا لكل واحد من المرافقين ثم مضى يتفقد ميكروفونات المنصّة.

زينت حيطان القاعة باللافتات و المعلّقات و تصدّرت صورته أماكن عديدة من المكان. ذهل الحاضرون

عندما شاهدوا أن سقف القاعة أيضا مغطّاة بصورته. كان أمرا مدهشا . كيف أدخلت رافعة في هذه القاعة!

قبالة المنصّة في الصف الأول تهاوت قرينات المرافقين على الكراسي. توسّطتهم زوجة "الفزاعة" . مصبوغة الشعر في لون أحمر قاني, ضخمة الردفين, عينان كليلتان بكحل مكثّف , شفتان داكنتان اسودّتا بقلم شفاه تسميه عاملات صالونات الحلاقة, ازدراء , ٌ حميّر الموتى ٌ . كانت تمسك بلفافة بيضاء صغيرة تتحرك من حين إلى آخر.ألقت باللّفافة أرضا فإذا هي كلب من نوع الكانيش.

في باقي الصفوف تجمع الحاضرون حسب الجاه ومنزلة الحسابات الجارية. وجهاء الإدارة. فلاحون, تجّار

كبار. متألّقون ومتسلقون . جاؤوا يسجلون حضورهم و يسندون ظهورهم . ٌ الدهر و الزّمان ما فيهم آمان

يا سي الطيب ٌ أعلنها بصرامة كهل في الأربعين كان يخاطب من جاوره بالجلوس . لم يعره" سي الطيب"

اهتمام إذ كان بصدد إتمام حفريات أنفية في حركة دقيقة و متأنية.

مباشرة خلف صفوف الوجاهة أجلس طابور من النسوة و الرجال صودروا للمناسبة بأمر من المسئول الأول

عن جهاز التعبئة, عمال حظائر, موظفون صغار, عاطلون عن العمل, و من ورائهم في آخر القاعة زمرة

المشوّشين تنتظر الحلويات و المشروبات .

انتصب الكميرمان قبالة الجمهور و صوّب آلته نحو صاحبة الشعر الأحمر القاني , تقدم يمنة , دهس عددا

من الأرجل , هرس رجل الكانيش , قصع حشرة كانت راجعة لجحرها , أرهق مساعده اللاهث وراءه , ثم تعثّر في كوابله و أنطرح جملة و تفصيلا على صاحب الحفريات . لم تترك الشرذمة المناوئة القابعة آخر القاعة, الفرصة تمرّ فصفّقت و علا ضحكها.

نقر رئيس الجلسة الميكروفون مرتين بإصبعه , تحسّس ربطة عنقه , ضمّ أطراف أصابعه اليمنى إلى اليسرى و قال :

- سيّدي المسئول الأول عن جهاز التعبئة, إخواني أعضاء القائمة المرشّحة , سادتي, سيّداتي , انه لمن دواعي الفخر والامتنان أن ألتقي بكم هذا اليوم ...

تجمّد في موقعه, ألفُُ منتصبةُُ, حمحم و واصل:

- إنكم تعرفون حرصنا على راحتكم و رفاهتكم... إن الحركية المتواصلة التي تشهدها بلادنا منذ سنين

والتي تدعّمت في السنوات الأخيرة بفضل الإجراءات و التوجيهات التي وقع إقرارها لفائدتكم و خصوصا الخطة الإستراتجية التي شكلت الإطار الأمثل لمواصلة دعم نشاط اقتصادنا و تعزيز مناعة المسيرة التنموية....

خيم على الحضور جو من الدهشة... و لم يفهم أحد منهم ذرّة من التحليل الاستراتيجي الذي أتحفهم به "الدكتور “فزاعة".... ثم ارتفعت الهمهمات و الهمسات.... تثاؤب أحد الحاضرين ثم صفع ولي عهده.... ارتفع عويل الصبي . هرش "سي الطيب" مفترق فخذيه، كثر الهرج المنبعث من آخر القاعة مما أجبر “صوت سيّده” على النزول من المنصة . توجّه مسرعا نحو الصبية مستعينا ببعض رجاله و من بينهم الحاج مفتاح، رجل المهمات الصعبة , أمين سرّ لجنة الرعاية و الحيطة الاجتماعية سابقا. استغلّ بعض الحاضرين هذا التوقّف المؤقت للانسحاب .

بعد إسكات أصوات المشككين عضّ الخطيب شفته السفلى , ألقى بسترته جانبا , فكّ ربطة عنقه و وأضاف :

- راحتكم... ركيزة أساسية لبلوغ الأهداف المنشودة... باعتبار أنها تدعّم القدرة التنافسية و تدفع حركة الاستثمار و التشغيل و تخلق الابتكار و التجديد... نحن نتألم عندما نراكم مثقلين بالقفاف تنتظرون تحت لفح

الشمس أو عرضة للأمطار تنتظرون وصول الحافلة أو سيارة الأجرة..... نتأسف لمئات الكيلومتر التي تقطعونها لعيادة أهاليكم.... يغمرنا الحزن العميق عندما نتذكّر من غاب من أقاربكم....

تسلّل كلب الكانيش من تحت كرسيّ سيّدته و توجّه نحو ساق مضخّم الصوت ... رفع إحدى قوائمه الخلفية

شخ ّ... ثم رجع متراقصا إلى نقطة انطلاقه.

لذلك بعثنا منذ سنة لجنة لتدارس الأمر يرأسها الأخ الأمين العام للّجنة العليا للتعبئة ... و أعضاءها

من خيرة إطارات المنطقة ... مهندسون...و تقنيون أكفّاء في تصميم و ترتيب الفضاءات الجماعية كما

انظمّ إليهم خبراء في أللأمور الأمنية للإحاطة بالموضوع من كل جوانبه....أنتم تعرفون جيّدا أن تجربتنا في

التنظيم أبهرت العديد من الأجانب...

رنّ هاتف جوال , انبعثت موسيقى " ماما زمنها جيّه " , ارتبك الرجل البالون- الموشك على الانفجار ,

تلوّى محاولا استخراج أداة الجريمة من جيبه فلم يفلح . هرول نحو أسفل المنصة متّجها نحو الباب. لاحقته

أعين القاعة حتى غاب .استوى الخطيب –الفزاعة من جديد كعمود كهرباء وانهال على مستمعيه بوابل غزير

من المعلومات التقنية حول مشروع القرن المزمع إقامته في واد العرعار :

- ستة آلاف متر مربع مغطاة....من جملة أربعة عشر ألف متر مربع و هي المساحة الجملية للمشروع

ثمانية أجنحة ستخصّص اثنتين منها للنساء.... ثمانية ساحات فسيحة....ستة عشر برجا... و طابق سفلي مجّهز بأحدث التقنيات...جناح خاص للزوار... مبنى للإدارة مؤثث بأحدث ما يكون من أجهزة الاتصالات السّلكيّ و اللاسلكي و الاستشعار عن بعد و التكييف المركزي.

جال الخطيب و مال, أزال ربطة العنق و شمّر أكمام قميصه الوردي, تطاير بصاقه و أردف يقول:

- كنّا أخواني على حافة هاوية فخطونا خطوة إلى ألأمام و صحّحنا مسارنا . لم تعد تهمنا أقاويل الحاقدين

و المشكّكين , من بقلوبهم مرض . نحن على الدرب المستقيم نسير و بالمصلحة العليا نستنير.

قفز "صوت سيده" من مكانه و راح يصفّق بقوة مما أجبر بقية الزفّة على النسج على منواله.

- هذا مشروع القرن بالنسبة لمدينتنا , سنريح جمعا غفيرا من الناس من مشاقّ السّفر و المصاريف التي

تثقل كاهلهم . انجازاتنا السابقة و اللاحقة خير دليل على مسيرتنا. أخوتي و أخواتي قائمتنا لها الشرف العظيم أن تزف لكم بشرى أقرار الدولة و عزمها على بناء السجن المركزي الجديد بمدينتنا "واد العرعار".

سالم بن يحيى

مارس 2006





خندود

ورد تبسّم فاح هبّ ارياحه من فوق خد ولفتي تفّاحة

****

متشهّرة بزين فتّان ما حوزاته عنوده

غثيثها ريش ظلمان هدرق خجايلة سودة

و جبينها برق الأمزان في ليل درزت رعوده

****

ليل ظلامه و حلى انوار جبينها تبسامة

و الحاجبين مقوّسين انوامة عجبه خلقهم عابقين افواحه

عجبة و رماقها سود متغنّجين الشّوافر

و خدودها ورد في العود يغشي بتعبيق فاخر

النيّف منقار فدفود طير السّمق بو الظوافر

****

الطير الجالي و مضحك على الخندود زهوة بالي

جوهر منظم خلقه المتعالي و شفّة رقيقه زانت المرجاحه

شفّه رقيقه طريّه كشنيل ربّي خلقها

و الصوت نغمه ذكيه و الرّيق عسله نطقها

رقبه مرادي السجيّه بلاّر مرحي خفقها

****

زنودها و المعاصم سيفين يوم الطّعاني

واخماسها جود كاسم متخضّبين الحناني

بزازيلها حجى العارم رمّان زهري سواني

****

فوق صدرها رمّان زهري و الحشى و خصرها

كما جوف عوده للبراز هجرها

سايس السيد سابقه جولاحه

****

الجوف خاوي و الأفخاذ عرصات في كشك عالي

و فاراتها الرّيم تبياض متقرقبين العضالي

و القد هود هفى خاض سنجق ذراه الجبالي

محمد العربي النجّار( 1846- 1916)





Ce n’est pas l’ordure qui diminue en nombre.

Il y a fort à faire,

faudrait avoir le temps.

Il nous faut

d’abord

changer la vie

de fond en comble ;

Cela fait,

on pourra trouver

des chants.

Cette époque pour la plume est difficile.

Mais,

dites-moi,

infirmes et culs-de-jatte :

Si

jamais

quelqu’un de grand

était habile

A chercher

chemins battus

et routes plates ?

O parole,

chef

des forces humaines,

En avant!

que les jours filent

comme des boulets.

Et que

seules en arrière

le vent ramène

Nos crinières échevelées.

En bonheur

notre planète

n’est pas très fertile.

Il faut

arracher

la joie

chaque jour

à la mort.

Déserter

la vie

n’est pas très difficile

Commander

la vie

demande plus d’effort.

1926.

traduction Gabriel Arout



الخميس، 17 ماي، 2007


Les ennemis

Ils sont les ennemis de l'espoir ma bien-aimée

De l'eau qui ruisselle, de l'arbre à la saison des fruits,

de la vie qui pousse et s'épanouit.

Car leur front marqué du sceau de la mort,

- dent pourrie, chair décomposée -

ils vont disparaître à jamais.

Et bien, sûr ma bien-aimée, bien sûr,

Sans maître et sans esclaves

Ce beau pays deviendra un jardin fraternel!

Et dans ce beau pays la liberté

Ira de long en large

Magnifiquement vêtue

de son bleu de travail.

Ils sont les ennemis de Redjeb, tisserand à Brousse,

Les ennemis de Hassan, ajusteur à l'usine de Karabuk,

Les ennemis de la vielle Hatdjen , la paysanne pauvre,

Les ennemis de Suleyman, l'ouvrier agricole,

Les ennemis de l'homme que je suis, que tu es,

Les ennemis de l'homme qui pense.

Mais la patrie est la maison de ces gens-là,

Ils sont donc ennemis de la patrie, ma bien-aimée.

Nos bras sont des branches chargées de fruits,

L'ennemi les secoue, l'ennemi nous secoue jour et nuit,

Et pour nous dépouiller plus facilement, plus tranquillement,

Il ne met plus la chaîne à nos pieds,

Mais à la racine même de nos têtes, ma bien-aimée.

In poemes 1948





تلمّست لفافة الأوراق النقدية المدسوسة في الجيب الداخلي من سترتي ثم رجعت أورّق صحيفة كنت أقتنيها في مدخل المحطة.

كانت الحرارة لا تطاق .لم أتمكن من التركيز على شيء أقرأه.التهمت الحافلة الأسفلت. جل التلال المحاذية للطريق مصفرّة وقد تراكمت، في صفوف متوازية، بالات التبن. في منخفض تلة، سطور لا تنتهي تجري حتى الأفق. تبدو حقلا من الطماطم ، طابور من النسوة ، شمس ينفجر ضوئها في الفضاء، تبهت الألوان ، تلغي الاحجام، تغشي البصر وتنهك الحواس. واصلت الحافلة انعطافها نحو اليمين حتى لامست حقل الطماطم. وجوه ذاهلة، سوّدها لفح حارق. ظهور منحنية تتحسّس مجاري السطور. تقتلع الطفيلبات في حركة ميكانيكية.

تعددت الصورة ثم غابت. نساء بلا أعمار، يكرّرن منذ الأزل نفس الحركات بلا كلل بلا ملل.

تهدي كل واحدة منهن أيامها و عرقها و جمالها و أحلامها لكي تزهر الأرض للغير.

على حافة الطريق شرائط متواصلة من الحمحم تلصف نجيماتها الزرقاء وسط اصفرار التربة و من ورائها صفوف الخيميّات من الكزبر و الشبت الجالي رافعه هالاتها نحو السماء .

جل الركّاب في شبه نعاس. دب الملل في الأجسام المتراخية زادني ارتجاج الحافلة احساسا بالضيق.

اخرجت حافظة أوراقي. قابلتني صورتها. الساعة المعلقة يمين السائق تشير إلى الثالثة و الربع بعد الزوال. لا شكّ أنّها الآن بصدد إكمال القطع الأخيرة من حصّتها اليومية. روضة تشتغل في مصنع على ملك ألماني منذ خمس سنوات.

ترافقنا بالأمس عند خروجها من مصنع "هينر" حتى آخر المدينة. خيم الصمت بيننا طول الطريق. عند صفصافة جلسنا هائمي النظر لا ندري ما نقول.

لامست يدها بشرتها ناعمة عسلية أصابع رقيقة لا تنتهي

-هل أنت مصرّ على قرارك.

كم تمنيت في تلك اللحظة أن تنهمر دموعها. أن تقبلني و تعيد. أن نتواعد الصبر و اللقاء و الإخلاص. أعادت سؤالها:

- هل أنت مصرّ على قرارك.

واصلت يدي ربش الأرض محدثة أشكالا دائرية نهضت روضة فجأة و ظلت واقفة قبالتي. رفعت رأسي لم أتعود على رؤية نهديها من الاسفل. نصفي دائرة متكاملة شامخة. تظهر بياضها من فجوة في صدارها. أدرت نظري نحو اليسار . في الأفق قطيع غنم يتموّج ... جرّار يسحب من وراءه غيمة من الغبار. أحسست بضيق يسحقني. صارت روضة حاجزا آخرا بيني وبين البحر.

- تكلم ... هل أنت مصرّ ...

كدت أصرخ من الوجع ... إكتفيت بالوقوف مشيت ولم ألتفت.

انقطع آخر خيط كان يشدّني إلى هذا المكان. لم يعد يهمّني كل ما حولي.

انفجرت ألوان السماء بين حمرة واصفرار. زادتني رطوبة آخر العشية ضيقا.

واصلت سيري حتى وسط المدينة، حيث مقهى " المستقبل " . شباب وكهول متحلقين يلعبون الورق منذ ساعات. لم يعد الزمن يعني بالنسبة إليهم شيئا .

مقهى " المستقبل " كائن في أسفل عمارة صغيرة يشغل ركنها الأيمن فرع بنك بجانبه دكان لبيع الأكلات الخفيفة ومقر حزبي. كانت تلك العمارة تمثل حلم كل شباب المدينة بالرغم من حداثة بناءها، الذي لم يمض عليه أكثر من عشر سنوات، وتثير حسدهم. كان شيخ المدينة عبد المطيع العوادي يقول أن تلك البناية عنوان ساطع لما يجب أن يتحلّى به الشباب من روح المبادرة والتعويل على النفس...

طويت حافظة الوثائق، تلمّست لفافة الأوراق النقدية ثانية، خفّفت الحافلة من سرعتها حتى توقّفت، قابلتني شارة مدخل بلدة " سيدي معاوية" وقد حاذتها، على جانب الطريق، سيارة شرطة. شاح ريقي وعاودني الإحساس بالضيق. انفتحت أبواب الحافلة وصعد شرطيّان واحد من الخلف وواحد من الأمام. تقدّما بتأن متصفّحين وجوه الركاب. انغرست أصابعي في جلد المقعد. أغمضت عيني حالما بالبحر.

- بطاقة تعريف ...

- ليست معي ...

- خذ أدباشك ... وانزل ...

تمتم الشاب كلاما غير مفهوم. وقف، مدّ يده سحب كيسا من حاملة الأمتعة.

- افتح الكيس ...

- لا شيء فيه ... أدوات بناء ... جنزير، ملعقة، ميزان ماء ...

دفعه الشرطي نحو باب النزول. كان على مقربة مني. لوح العون بذراعيه وكاد يلمس بمرفقه سيدة كانت بجانبي. وصل زميله حذوه، زاد ارتياعي. لم أعد أتذكر من منهم طالبني بالاستظهار ببطاقة الشخصية. كادت حافظة الأوراق تسقط بين يدي.

- إلى أنت ذاهب... أين تشتغل ... أعزب أم متزوج ...

فجأة أحسست براحة تعتريني وهدأ روعي. الآن أوصدت كل الأبواب خلفي. لم تثني أمي عن لقائي مع البحر ولا روضة ولا ضياع المرتب المخزي الذي كنت أتقاضاه من مشغّلي صاحب شركة المناولة.

- أنا قاصد مدينة المروج.

- هل لك بها أقرباء ...

- نعم خالي ... السيد المنجي الخبثاني... مقاول وتاجر بسوق سيدي بو منديل.

ناولني بطاقتي وراح يواصل مراقبة شابين كانا يحتلاّن مقاعد في آخر الحافلة. تناسيت كل ما حولي ورحت أساءل نفسي من أين جاءتني جرأة مخاطبتة أعوان الشرطة بتلك الطريقة. كنت في السابق أخاف حتى من حارس المعهد. أخاف من أبي عند رجوعه من حانة "النفطي". يخرج تلاميذ البلدة مردّدين " تقرأ وإلا ما تقراش المستقبل ما ثماش " يلتحمون مع الشرطة يرمونها بالحجارة فأكتفي بالجري في مؤخرة الموكب وألوذ بالفرار عند أول خطر.

مقاول وتاجر بسوق سيدي بو منديل... ترى أين يقع هذا السوق ... أعجبتني فكرة أن يكون لي خال تاجر. عاودت الحافلة سيرها. واصلت رحلة أحلامي. لم تكن للبحر في ذاتي إلا بعض الشظايا، بائع حوت السردين يجوب أزقة حينا، صور في التلفاز وصوت مغنّ. لعل المنجي الخبثاني تاجر أسماك في ميناء قلبية أو المهدية، مدّور، مكوّر، آكل لحوم بشرية والذي تكره زوجته رائحة السمك، ينهال عليها كل ليلة ضربا ويأخذها عنوة.

ارتجفت عيني ... رمل خفيف لمّاع بدأ يغشي بصري ... نفق طويل ... طويل ...

- يا نائم ... أفق ... نحن في محطة باب عليوة

نزلت وسط ساحة المحطة. أضواء كاشفة صفراء طمست الألوان وشحبت الوجوه.

أشباح معدنية تسرع الخطى وسط روائح من الزيت المقلي منبعثة من دكاكين بيع الأكلات الخفيفة وغازات مخنقة كوّنت ضبابا يخيم فوق الرؤوس.

عند باب المحطة الرئيسي كشك كتب كان صاحبه يتهيأ لإغلاقه. زادتني عناوين الكتب إسرارا على مغادرة المكان. " عذاب القبر" ، " وسوسة الشيطان" ، " عتبات جهنم".

على الرصيف المحاذي وقفت برهة أتأمل طوابير السيارات وحشود الخلق القادمين من الجسر الموجود على يساري. البعض منهم متجه نحو محطات حافلات الضواحي والبعض الآخر نحو محطة المترو. يقفون صامتين وسط أزيز حركة المرور، بلا حركة، جامدين، تائهين لاتفصلهم عن موتى المقبرة المقابلة إلا بضعة أمتار.

أفقت صباحا وسط حديقة عمومية مقرفصا بين أكوام من الأتربة وبراميل فارغة. نواقيس ومطارق تدوي في رأسي. كل ما أذكره هو أني توقفت أمام حانة... ومضات سريعة ... ضحك ... صراخ ... شجار ... أحلام تبدّد وأخرى تبنى ... صديق مِِؤقت يروي لك في ساعتين رحلة حياة ... تفتح له صناديق أسرارك وتمضي. اغتسلت في نافورة الحديقة وتوجهت نحو ساحة القلالين.

أوصاني فوزي "الحنش" أن أحضر عند منتصف النهار في مفترق بين بلدتي "رأس الجبل" و "غار الملح" أوّل خميس لشهر سبتمبر و أعلمني أنّه سيكون حاضرا عند وصولي.

"سبّالة بن عمّار", "زهانة", "قرناطة", كيلومترات من الأرض المنبسطة...صفراء, غبراء

قطعان مواش ترعى ما تبقّى من سيقان مزارع القمح و الشّعير. مكان قفر, لا طائر يطير و لا آدمي يسير , و كأنّ أهل هذا البرّ سافروا منذ مدة طويلة, و أبحروا نحو شواطىء حرّم فيها

الأذلال, لا بيعة فيها ولا استرقاق.

"الزوارين", "عوسجة"... في مدخل البلدة حائط منزل غطّته خمائل أرجوانة تفتحت أبواقها حمراء, بنفسجيّة, و مدّت أعناقها نحو الشّمس.

أنزلني سائق سيّارة الأجرة في المفترق. تلال منخفضة مكسوّة بأشجار التّين و التّفّاح,مسالك فلاحية تجري متسلّقة أعلى تلّة تحذوها غراسات عنب...سطور من السرو و الحور الدّاكنة الخضرة ترسل هاماتها نحو الأثير.

ألقيت جرابتي أرضا و أختبأت وراء شجيرة دفلة تشرف على المفترق.

فوزي "الحنش" في العقد الثالث من عمره.يكبرني بخمس سنوات. عرفته زمن الحّاجة ...

أيّام الفاقة. أيّام كان يجالسني لاحتساء بعض الرّشفات من قهوتي ثم يطلب مني مدّه بسيجارة أو بعض النّقود.

هو الأن صاحب عمارة و مقهى "المستقبل" و عضو في الهيئة المديرة لفريق كرة القدم. صارع البحر و غنم. ما زال كسبه أحلام أشقياء العالم, يذهب جافل و يأتي غافل.مهنته تجهيز قوارب أنهكتها السّنون و ملح البحر...و شحنها بالبائسين مثلي... أحيانا نحو الأمل... و غالبا نحو الموت.

اليوم أخلع نير الطّاعة و لا يهمّني أن يكون "الحنش" ملاك الأمل و مفتاح البحر أو ...قاتلا

مستأجرا.

لم أشعر بالوقت يمرّ حتّى سمعت دويّ شاحنة صغيرة تتوقّف عند المفترق...أطلّ رأس "الحنش"...و ثبت من مكاني و كدت أنسى جرابتي... انفتح باب القمرة و صعدت. تعثّرت في الظلام...انتشلتني الأيدي...أخيلة جالسة...تهتزّ من حين إلى آخر...قمرة معدنية مشتعلة...نور النهار يتسّلل من أسفل أرضيتها...رائحة مازوط...كنت لا أرى إلا بقعة بيضاء...بدأت عيناي تتكيّفان مع الظلمة و صرت أميّز ما كان حولي.أطياف مقرفصة بين نور و ظلمة...أغلبها عاري الصّدر من شدّة الحرّ و ضيق المكان. بشر حشر كالدّواب عند نقلها نحو المسلخ.

ارتجّت الشّاحنة و عاودت... علا غطيط محرّكها...أنّت في المنعرجات...قرقع الحصى المتناثر من تحتها...أحسست برغبة في التّقيؤ...ارتطم رأس الجالس حذوي بأذني...كهل في الخمسين...شاحب الوجه...لحية ثلاثة أيّام...وجنتان ناتئتان...عيون منغرسة في فلقتيها...ترى هل هو متزوّج و له أطفال...

فجأة توقّفت الشّاحنة بعنف, دوّى منبهها.صفق بابها.

-اسرع...أفتح...

بهرني الضوء الخارجيّ, ساحة مزرعة, فسيحة...برامل مازوط...جرّار أكله الصّدأ...على اليمين بناية قديمة بلا شبابيك ,باب خشبيّ بمصراعين. كنّا قرابة العشرة أنفار, توجه بنا "الحنش" نحو البناية.دخلناها,

كانت زريبة, خنقتني رائحة بول حيوانات و تبن جاف, حيطان الزّريبة مغطّاة بأقراص الجلّة.

في الجهة اليسرى,حشد من البشر,البعض جالس أرضا و البعض الأخر مضطجع. لاحظت من أوّل وهلة تواجد واحد منهم جالسا في كرسيّ إعاقة. في الزّاوية المقابلة ثلاثة صناديق كرطون معبأة بقوارير الحليب و الخبز. رميت جرا بتي أرضا و جلست أتفحّص الوجوه, مفترضا لكلّ واحد, الأسباب التي أتت به إلى هذا المكان... ما الذي دفع بالفتاتين الجالستين قبالتي... و المعاق... و رجل الخمسين الذي كان حذوي في الشّاحنة...هل كلّهم فارّون مثلي...من البطالة و الفقر و سلطة الأب و عنف البوليس و سطوة الزّوج و قحط الأحاسيس و سلطة أصحاب السّيارات الرّباعيّة الدّفع.

عل يحلمون مثلي بعمارة أكبر من عمارة فوزي"الحنش"...أما حدّثهم أحد عن قوانين الجنّة الموعودة, و ساعات العمل في حقول الطّماطم و الفرولة في صقلّية. اعتراني إحساس بالتّفوق لأنّي أعرف كلّ هذا. أعرف أنّني سأقتلع خبزي من الحائط في ايطاليا, سأسرقه إذا اقتضى الأمر. لن يخيفني حتّى بيع "الزّطلة". ارتفع صوت غليظ فيه لكنة سكّن الأحياء المحيطة بالعاصمة :

- أهذا معقول يا فوزي... نكاد نناهز السّبعين نفرا...

- لا تخف ... لقد جهّزت قاربين...كونوا على أهبة حوالي العاشرة ليلا... و لا مكان للأدباش.

وجم الجميع و راح كلّ واحد منهم يتصفّح كتاب حياته و طوايا مخيّلته علّه يسمع صوتا أو يرى وجها يعرفه...يناديه الصّوت, يحفزه الوجه للرجوع إلى الخلف, كنّا كلّنا نعلم أنّ دخول البحر غرق و الخروج منه مولد. فتح الشّاب القريب منّي حقيبة سفره و أخرج ألبوم صور...

- هذه صورة لي في المعهد... هنا يوم العيد...أخي مراد...أختي مريم..."حلق الواد" ثكنة "سوق الأحد",,,هذه أمام دكّان خالي "الطّاهر" ,لبيع الدّواجن, أشتغل لديه في الصّيف. سأفرغ كل الألبوم و أحمل الصّور معي.

جهّزنا أنفسنا و طلبنا من "الحنش" أن يرجع ما تبقّى من أدباشنا إلى عائلاتنا فقبل. عند حدود العاشرة إلا ربع دخل "الحنش" و صاح :

- سنمشي وسط الحقول مسافة نصف كيلومتر, و عندها نكون قبالة البحر, يسلّمني كلّ واحد منكم المبلغ و يتوجّه نحو القارب, و عند الامتطاء يستوجب السّكوت

اقترب منّي "الحنش" هامسا :

- نحن أبناء بلدة واحدة... خذ جرابك معك و إن سألوك قل أنّها على ملك الرايس...لأنّي سألقي بكلّ الأدباش في البحر.

تسللّنا الواحد تلو الأخر في قاربين. لم نسمع ليلتها إلا صوت ارتداد الأمواج على الشاطئ .

انزلق القارب مثقّلا باثنين و ثلاثين رقبة, تكدّسنا, بعضنا فوق بعض. لم يكن يفصل حافة المركبة عن الماء إلا نصف متر و قد تدلّت أرجل العديد منّا في البحر. سار المركب متثاقلا وسط هدير محرّكه و طبطبة الأمواج على جانبيه. لم يعد يسمع من أصواتنا شيء. بدأ الرّجل البدين الملتصق بقمرة القيادة ترديد كلمة "يا لطيف", منذ انطلاقنا و بدا كشبح يتموج يمنة و شمالا.

كانت الرّيح تنفخ في عكس اتّجاه سير المركبة, دافعة بدخان المحرّك نحونا. سعلت مرّات عديدة و أحسست بالتعب.التويت في كلّ الاتجاهات علّني أخفّف من آلام رجلي اليمنى و لكن دون جدوى.

مرّت تسع ساعات مللت فيها البحر و العباد و المازوط و التّقيؤ و رائحة ثيابي و بكيت. صاح شاب من مقدّمة المركب :

- ضوء يا رايس...ضوء... "لمبدوزه" يا رايس... فعلناها يا رايس...حتّى خافرات السّواحل الايطالية تخطّيناها...

- أخرس...إنهم يلتقطون الأصوات القادمة من البحر بالرادار...

التوت الأعناق نحو الأمام. كانت تلك الأضواء, تختفي عن الأنظار, ثمّ تعود حسب نسق صعود

و نزول المركبة في الماء. تصاعد نبضي مع اقترابنا من شاطئ البحر و كدت أرتمي في الماء. خفّف الرايس من سرعة المركبة طالبا منّا النزول بهدوء و عدم إحداث الضّجيج.

تسارعت خطاي. ابتعدت أقصى ما يمكن من باقي المجموعة خوفا من الأعين و من أيّ طارئة. توقّفت برهة تحت شجيرة أتحسّس المكان .أنا الآن في أرض أجنبيّة يستوجب فيها الحذر في كلّ دقيقة. لم أعد أتذكّر الآن كم بقيت تحت تلك الشّجيّرة حتّى مطلع الفجر. عندها تقدّمت نحو الطّريق... بانت لي بناية بيضاء...سرت صوبها... لمحت شارتي طريق...توجّت نحوها... و زعقت...

كتب على الشّارتين " غار الملح 6 كلم" , "تونس 55 كلم"

سالم بن يحيى

أفريل 2005



الخميس، 10 ماي، 2007


سمعت أزيز محرّك السيارة يقترب... فتّشت في الظلمة عن مفتاح المصباح... تعثّرت يدها في العتمة،ارتطمت بشيء..سمع صوت إناء بلّوريّ يسقط.

تمكّنت أخيرا من إشعال النور،اندفعت نحو نافذة الغرفة...توقّفت مهلة ثمّ جرت نحو الرّواق ... واصلت في إتجاه غرفة الجلوس وانتصبت وراء السّتائر ، تنظر نحو الشّارع.

كانت متلفلفة في مئزر بال بهتت ألوانه، وجهها بارز التّقاطيع، لامس خدّها البلّور لسعها برده.

عند الرّصيف المقابل توقّفت سيّارة تحت ضوء العمود الكهربائيّ، نزل السّائق و مرافقته...فتح باب الحديقة و غاب. كان الضباب يلفّ مصابيح الشّارع ويزيد المكان وحشة. واصلت مراقبتها للمنزل المقابل...اشتعل ضوء في الطابق العلويّ. سمعت صوتا يناديها من اٌخر المنزل :

- يا فضيلة... هيّا نامي كفّي عن التّلصّص على النّاس...

أرهفت السّمع و واصلت مراقبتها... مرّ ربع ساعة رأت فيها الرّجل يقفل شبابيك نافذة على يمين المنزل. ثمّ انطفأت كلّ الانوار.

رجعت إلى غرفتها ، قابلتها شقفات البلّور المتناثرة حذو الفراش، جمّعتها برجلها قرب الحائط... خلعت مئزرها وارتمت في الفراش.

أخرج زوجها رأسه من تحت الغطاء، اتّكأ على الوسادة ولوّح بيده اليسرى في إستياء :

- أنا متأكّد يا إمرأة أنّ هذا الرّجل لم يفته أنّك تراقبينه ليلا نهارا... كفّي عن ذلك... ستكون الكارثة يوم يطرق بابنا و يسمعك ما لا يرضيك.

حدّقت فضيلة في زوجها و رسمت على شفتيها بسمة غامضة :

- أمر هذا الرّجل غريب... تصوّر يا “ سي الطّيب ” أنّه في يوم الاثنين الفارط و على الساعة الثانية و خمس دقائق صباحا رجع إلى المنرل و معه أربعة رجال لم أرهم من قبل.

تمطّى “ سي الطّيب ” في الفراش واقترب منها، أخفى رأسه تحت الغطاء مدّ رجله اليمنى نحوها، ظاهرته و أفسدت مشاريعه.

إنتصبت كالفزّاعة في شرفة الطّابق العلويّ تكنس للمرّة العاشرة نفس الرّكن. الموقع لا مثيل له لمراقبة ما يدور بالحيّ...على يمين منزلها جار تكرهه لانه زرع صفصافتين كبرتا إلى حدّ أنّها أصبحتا حائطا نباتيّا يحجب عنها الرّؤية.

كانت تمقته لكونه لم يستدعها لحفل ختان ابنه الاصغر. سرّبت في الحيّ أنّ التّجارة الّتي كان يدّعي ممارستها هي في الحقيقة إدارة خمّارة “ بار النّفطي” بحيّ “ الباساج ”.

قبالة منزلها ،جارها الجديد الذي سكن منذ ثلاثة أشهر. اكترى المنرل و دخله بين ليلة و ضحاها دون أن يتفطّن إلى ذلك أحد...رجل غامض التّصرّفات... طويل القامة، له شامة سوداء تحت خدّه الايمن،شفاهه غليظة.

جابت فضيلة كامل الحيّ و قالت لكلّ من كان يريد الاستماع إليها :

- لا يكلّم أحدا... و لا يسلّم...

واصلت الكنس و نظرها يتفقّد الانهج المحاذية، مرّ شاب بدين في الخامسة عشرة من عمره ،رفع رأسه نحوها... ارتفع صوته :

- أمّي سيسي...

سكت برهة و واصل :

- لقات فليّس...

جرى... علا ضحكه... لاحقته من الفوق بالشّتم.

- ياٌبن العاهرة...يا لقيط...لا تخف... ستلحق بأخيك بائع الزّطلة في السّجن...

رمت المكنسة من أعلى الشّرفة نحو الحديقة ... فتحت الباب و دخلت،واصلت مشيتها المرتجّة حتّى غرفة الجلوس . وجدت زوجها جالسا على الاريكة قبالة التلفاز، لفت إنتباهها اضطرابه.

- ماذا تفعل هنا... التلفاز مغلق...

تلعثم كمن قبض عليه في حالة تلبّس :

- لا ... لا شيء...

توقّفت حذو خزانة ملاصقة للاريكة ثمّ رجعت أدراجها و عيونها تبحث عن شيء ما.

- سمعتك تشتمين “ عصام ” ابن “ شريفة ”... أمرنا أصبح لا يطاق... لم يعد أحد يلقي السّلام عليّ في الحيّ... كل الجيران يكرهوننا...البعض يسمّونك “ اواكس ” و البعض الاخر “ فضيلة مكنسة ”.

حملقت فيه لثانيتين و قالت :

- أنا ذاهبة لساعتين عند أختي... ابنها تخاصم مع زوجته... لا تنس شراء الخبز.

خرجت، جرجرت رجليها ذهابا و إيابا في المنزل لمدّة ثمّ سكن البيت.

أحكم “ سي الطّيب ” غلق باب غرفة الجلوس. رفع حاشية الاريكة... قابله الكرّاس بغلافه الاسود... لم يكن في يوم ما يتوقّع أن يستبدّ أمر الجار الجديد بزوجته إلى حدّ اقتنائها كرّاسا تدوّن فيه كلّ ملاحظاتها حول تحرّكاته. يعرف جيّدا أنّها ملمّة بكلّ دقائق الاحداث في الحيّ... ألم تقل له بالامس أنّ “ لمياء ” زوجة سائق التاكسي لم تجامع زوجها منذ أكثر من شهر... و أنّ “ المنصف ” بقّال الحيّ خسر قضية استئنافية في استرجاع أرض.

فتح الكرّاس...

الثلاثاء16أوت2005 الساعة الثّالثة صباحا:

خرج بمفرده.لباسه أسود... يحمل جرابا يبدو ثقيلا...رجع إلى المنزل في الرّابعة بعد

الزوال... نزل إلى الحديقة حوالي السادسة مساء حيث حفر خندقا عريضا ملاصقا

لحائط المنزل.

الخميس18أوت2005 السّاعة الثّامنة صباحا :

سيّارة من نوع “كليو ” رقمها13633تونس88 تتوقف أمام المنرل ...

يخرج و يمتطيها... يرجع ليلا في العاشرة و الرّبع في سيّارة سوداء.

ورّق الكرّاس، تقارير مفصّلة حول أوقات الدّخول و الخروج... أرقام سيّارات و أوصاف الاشخاص

الغادين و القادمين...

الثّلاثاء18أكتوبر2005 السّابعة صباحا :

خرج في عجلة.ذقنه غير محلوق... رجع ليلا في الحادية عشرة.

الاربعاء19، الخميس20 ، الجمعة21 : لم يظهر و كأنّه على سفر.

السّبت22 أكتوبر2005 التّاسعة ليلا :

شاحنة من نوع “ ايسوزو ” رقم11831 تونس 91 . نرل منها رجلان طويلا القامة. غادر الجمع المنزل في الواحدة صباحا.

تتالت الصّفحات. أربعة و ثلاثون. إلى اٌخر ما دوّن :

الخميس17 نوفمبر 2005 :

دخل المنزل في السّادسة صباحا. يبدو متعبا. يحمل نفس الجراب و صندوقين من الكرتون.

طوى “ سي الطّيب ” الكرّاس و أرجعه مكانه. شغّل التلفاز، فإذا هو ملفّ حول زراعة السكّوم في

المناطق الجافة ،تحوّل من قناة إلى اٌخرى حتى استقرّ على مقابلة في كرة القدم.

أفاق على صراخ زوجته :

- شغّل التلفاز و نم... ثمّ ولول و سخّط عند تسلّم فاتورة الكهرباء.

أكمل “ سي الطّيب ” حلق ذقنه. دخل المطبخ و خاطبها :

- أتريدين الذّهاب معي اليوم إلى “ واد العرعار ” ؟

أومأت بما معناه الرّفض و أضافت :

- أنا اليوم ذاهبة إلى مركز الشّرطة للابلاغ عن صاحب الشّامة السوداء. هذا الرّجل عضو في

عصابة إرهابية أو أحد مسؤولي المافيا أو مهرّب مخدّرات كبير أو في أضعف الحالات مناوء.

تركها و خرج. أكملت فطورها. إستحمّت، جفّفت شعرها رصّفته، لبست، تعطّرت و لم تنس بين

الفينة و الاخرى أن تقف في الشرفة لتطلّ على الشّارع.

وصلت إلى المركز. تفحّصها العون من الاعلى إلى الاسفل .طلبت منه مقابلة رئيس المركز. دعاها

إلى الجلوس، و رجاها أن تنتظر قليلا. سمعت أصواتا غريبة تأتي من الطّابق السّفليّ. ثمّ تسمّر

العون أمامها قائلا :

- هيّا... “ سي منصور ” في انتظارك...

أخرجت كرّاسها من حقيبة يدها و تبعته. فتح باب قاعة في اٌخر الرّواق ... في صدارة القاعة...

مكتب فسيح جلس وراءه الرّجل الطويل القامة، صاحب الشّامة السّوداء.

سالم بن يحيى

ديسمبر 2005