الجمعة، 18 أبريل، 2008


هي و الظلّ

في أوّل الأمر أكثر من الذّهاب إلى البارات بعد أوقات العمل و الرجوع متأخّرا إلى المنزل , ظنّا منه أنها ستعاتبه أو تسائله. لم تبد أيّ اهتمام بالأمر و لم تكلّمه. أصبح يخصّص وقتا أكبر في ترصيف ما تبقّى من شعره و تلميع حذائه قبل الخروج صباحا علّه يثير غيرتها فلم يسمع منها إلا الازدراء و السّخرية :

_ من هي التعيسة التي سترضى ببطنك المتدلي و برائحة تبغك العفن...

السيّد فوزي المسؤول عن "قسم التّحرّيات" حيث يعمل , هو الوحيد الذي تفطّن إلى هوايته الجديدة. يبدو أنّه رآه في إحدى حانات المدينة . عاتبه ثمّ سخر منه أمام زملائه منذ أسبوع قائلا:

_ أنت بهذا البطن المنتفخ ..إما أنّك مدمن على الخمر...أو ناقص حنانا...

سمعها و وجم. غصّ حلقه و جفّت شفتاه. الويل اليوم لم سيسوقه حظّه البائس أمامه.

وقف زائغ النّظر متّكئا على مبسط الحانة قبالة مرآة غطّت كامل الحائط. أجال بصره في ما كان يراه من أنماط بشريّة تخلّصت مؤقّتا من أعباء الحاضر وأبحرت نحو أزمنة و أغوار لا حدود لها. أحسّ بيد تلمسه من كتفه, استدار, فإذا بحريف نحيف, مستقيم كالألف, ضحوك يسأله:

_ لماذا تظاهرني...ألا يعجبك منظري...أشرب كأسا على نخبي...ناولني ولّاعتك...

حمل كأسه و قارورته و تحوّل إلى ركن آخر. لا أحد يعرف, حتّى هو, لماذا وقع اختياره على تلك الحانة, صحيح أنّها بعيدة عن مقرّ "قسم التّحرّيات" و عن محلّ سكناه. لكنّها كانت من نوع الحانات القذرة, التي لا يتردّد عليها إلا من نسيتهم الأقدار.

في المرّة الأولى هاجمته ندى متهكّمة:

_ عملك؟...أنتم مطالبون بشيء واحد... أن تكونوا أصحاب بطون منتفخة , أجلاف ,أغبياء...رأس مالكم غلظة وانضباط أعمى...

ندّم على تمكينها من مواصلة دراستها. كلّ نساء زملائه بالقسم ربّات بيوت. يرعين أطفالهنّ.

لم يسعفه الحظّ أن يرزق ذرّية. ذات مرّة أنهال في ندى ضربا لأنّها قالت أن سبب عقمه أنّه لا يقذف منيّا بل ماء.

لم يعد يتذكّر منذ متى ابتعدت عنه. خامره الشكّ أنّها تخونه. كلّف زميلا من قسم آخر بمراقبتها لمدّة لكن دون جدوى. لاحظ مواصلتها استعمال لقبها العائليّ و رفضها بشدّة مقاسمة ملكيّة المنزل.

أحسّ بضرورة ملحّة للذهاب إلى دورة المياه, تنقّل بين الطاولات وسط روائح التبغ الفاسد, و الحموضة المنبعثة من أركان الحانة, وعفن بول يحوم في الجوّ, و ضوضاء و أصوات بحّت, و وجوه سابحة في الخواء, و أوراق ملطّخة زيوتا و أعقاب سجائر. أجسام مثقلة همّا و كربا تخالها تريد الانغماس في الأرض لتلحق بأعماق الجور.

تذكّر تربّصا قام به منذ سنوات في ألمانيا, وانبهاره بنظافة الحانات و بزهو الناس نسوة و رجالا عندما يشربون, يغنّون, و يعلو ضحكهم.

رآها أوّل مرّة في حفل زواج أحد أقربائها تخرّج معه من الأكاديمية. ترصّد كلّ الفرص لمعاودة مقابلتها. . لم تكن له أي حظوظ للفوز بها . لاحظ قوّة شخصيّتها و تأثيرها على الرجال. كانت تحبّ المدح. راح يلعب على ذلك الوتر. متمرّغا, مادحا, متزلّفا, راكبا موجة الصّديق الوفيّ المنبهر بصلابتها و بذكائها , إلى أن أوقع بها.

خمس سنوات و لم تحبل. تراكمت التحاليل و الرسوم و تخاطيط الأشعّة و نزلت على دماغه كالصاعقة.

تسلّل في ذات عشيّة إلى أروقة المستشفى المركزي للمصالح المختصّة . أمدّته الممرّضة بأنبوب و قالت في صوت رتيب:

_ أريد كمّية في حدود خمسة ميلي لتر.

طاف الأقسام صعودا و نزولا. و طالع كلّ الكتب المتداولة في موضوع الرسوم المنويّة. و انهالت عليه سخريّة ندى و فوزي . حتى أعين نزلاء القسم كانت ترمقه و تضحك منه. منذ شهر جيء بأحدهم يحمل وشما في يده اليمنى, نجمة و هلال بين خنجرين. نظره قاطع كالشفرة. عنيد. لم يقتلع منه كلمة . بصق عليه و هو مغلول اليدين.

هي تنام لوحدها منذ خمس سنوات في غرفة أخرى. دخلت عليه في يوم من أيّام الشتاء على غير عادتها. ألغيت عشيّتها جلسة تكوينية فرجعت إلى البيت باكرا. وجدته في غرفة نومها مع مومس . أشبعها ركلا و رفسا. أشهر في وجهها مسدّسه. من يومها راح يجوب دكاكين و مكاتب العرّافين علّهم يحلّون عقدته.

أحسّ أنّ أمعاءه تلتهب, مال نحو المغسل. انسدّت مناخره بما كان يتقيّأه. توقّف تنفّسه لوهلة و صار يشخر, ثم قذف أثقال معدته من جديد. نادى النادل, سدّد ما عليه و خرج .

ساعده سائق التاكسي على مغادرة العربة . صعد سلالم الطابقين بجهد مضني. فتح باب الشقّة بعد عديد المحاولات. دلف مباشرة في اتّجاه المطبخ ثمّ رجع أدراجه نحو غرفتها قابله جسمها النحيف منكمشا في فراشها, رفع يده عالية و بدأ يزعق....

ديسمبر 2007



تعليق Big Trap Boy

J'attend la suite avec impatience!



تعليق kissa-online

@BTB
merci pour la visite
es tu sur que ce recit ait besoin d'une suite? relis la fin.



تعليق brastos

غالبا ما يشكو موظّفو "اقسام التحريات" من مثل هده العقد و الامراض ..نظرا لسيطرة الشعور بالذنب عليهم.. و احساسهم ، الذي يكاد يكون اكيدا ، بأنْ لا احد يحبّهم
Bravo Kissa



تعليق Z Y E D

le recit pe etre non mais moi oui :)



تعليق أرابيـكا

وبدأ يزعق...أتمنّى لو يزعق حتّى تنفجر شرايين قلبه وينتهى
رائع ما كتبت



تعليق خالد من الأمارات

حلوة "هي و الظل" واصل يا قصّة اون لاين كتابتك ممتعة



تعليق malek

هذه الأقصوصة ممتازة. قرأت لك في مجلة "قصص" قصة من الطراز الرفيع : المخطوطة. لماذا لا تنشرها على مدوّنتك؟



تعليق cactussa

ce qui est beau c'est que la vrai vie de plusieurs personnes parmis nous qu'on subsonne meme pas la souffrance qu'ils vient!!!
j'ai adoré!!



تعليق onsor

صحيح قصة جميلة
لكن
الفقرة الأخيرة ربما وجب مراجعتها ، أي التركيب اللغوي ، حتى تدلي بمعانيها من أول وهلة دون إعادة قراءتها.
واصل



تعليق غير معرف

bonjour
l'histoire est très interessante, mais il y a deux mots que mon arabe imparfait ne m'a pas permis de comprendre, Le dernier mot "yazaako" et "moumes"( la chose qu'elle a trouvé avec lui dans son lit, je te prie donc de me les traduire en français. et bravo



تعليق kissa-online

@anonyme
زعق/ signifie dans le contexte du recit hurler en emettant des cris stridents.
مومس/ veut dire prostituée